أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

494

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : مِنْ عَرَفاتٍ متعلّق ب « أفضتم » والإفاضة في الأصل : الصبّ ، يقال : فاض الماء وأفضته ، ثم يستعمل في الإحرام مجازا . والهمزة في « أفضتم » فيها وجهان ، أحدهما : أنها للتعدية فيكون مفعوله محذوفا تقديره : أفضتم أنفسكم ، وهذا مذهب الزجاج وتبعه الزمخشري ، وقدّره الزجاج فقال : « معناه : دفع بعضكم بعضا » . والثاني : أن أفعل هنا بمعنى فعل المجرد فلا مفعول له . قال الشيخ « 1 » : « لأنه لا يحفظ : أفضت زيدا بهذا المعنى الذي شرحناه ، وكان قد شرحه بالانخراط والاندفاع والخروج من المكان بكثرة . وأصل أفضتم : أفيضتم فأعلّ كنظائره ، بأن نقلت حركة حرف العلة على الساكن قبله فتحرّك حرف العلّة في الأصل وانفتح ما قبله فقلب ألفا ، وهو من ذوات الياء من الفيض كما ذكرت لك ، ولا يكون من ذوات الواو من قولهم : فوضى الناس وهم أخلاط الناس بلا سائس . وعرفات اسم مكان مخصوص ، وهل هو مشتقّ أو مرتجل ؟ قولان : أحدهما : أنه مرتجل وإليه ذهب الزمخشري قال : « لأنّ العرفة لا تعرف في أسماء الأجناس إلا أن تكون جمع عارف » . والثاني : أنه مشتقّ ، واختلف في اشتقاقه ، فقيل : من المعرفة لأن إبراهيم عليه السّلام لمّا عرّفه جبريل هذه البقعة فقال : عرفت عرفت ، أو لأنه عرّفه بها هاجر وإسماعيل لمّا أخرجتهما سارة في غيبته فوجدهما بها ، أو لأنّ آدم عرف بها حواء . وقيل : مشتقة من العرف وهو الرائحة الطيبة ، وقيل : من العرف وهو الارتفاع ومنه عرف الديك ، وعرفات جمع عرفة في الأصل ثم سمّي به هذا الموضع ، والمشهور أنّ عرفات وعرفة واحد . وقيل : عرفة اسم اليوم وعرفات اسم مكان ، والتنوين في عرفات وبابه فيه ثلاثة أقوال : أظهرها : أنه تنوين مقابلة ، يعنون بذلك أنّ تنوين هذا الجمع مقابل لنون جمع الذكور ، فتنوين مسلمات مقابل لنون مسلمين ، ثم جعل كلّ تنوين في جمع الإناث - وإن لم يكن لهنّ جمع مذكر - كذلك طردا للباب . والثاني أنه تنوين صرف وهو ظاهر قول الزمخشري فإنه قال : « فإن قلت : فهلّا منعت الصرف وفيها السببان : التعريف والتأنيث . قلت : لا يخلو التأنيث : إما أن يكون بالتاء التي في لفظها وإما بتاء مقدرة كما في « سعاد » ، فالتي في لفظها ليست للتأنيث ، وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنث ، ولا يصحّ تقدير التاء فيها ، لأنّ هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث مانعة من تقديرها كما لا تقدّر تاء التأنيث في بنت ؛ لأنّ التاء التي هي بدل من الواو لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث فأبت تقديرها » فمنع الزمخشري أن يكون التأنيث سببا فيها فصار التنوين عنده للصرف . والثالث : أنّ جمع المؤنث إن كان له جمع مذكر كمسلمات ومسلمين فالتنوين للمقابلة وإلّا فللصرف كعرفات . والمشهور - حال التسمية به - أن ينوّن وتعربه بالحركتين : الضمة والكسرة كما لو كان جمعا ، وفيه لغة ثانية :

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 83 ) .